اسئلة حول واقعة الطف ..الفصل الخامس:
اسئلة حول واقعة الطف  1780917_300974653430273_8364456554401285938_n
ورَدَنا في التاريخ: (أنّه بعد أن حاربَ الحسين عليه‌السلام أعداءه وسقط على الأرض، أمرَ قائد الجيش المعادي جماعة منهم أن يركبوا الخيول ويدوسوا بحوافرها جسد الحسين عليه‌السلام ، فانتدبَ لهُ عشرة من الفوارس، فداسوا جسد الحسين بخيولهم حتّى رضّوا ظهره وصدره)(٢) .

وقد سمعتُ شخصاً مَن يستشكل على ذلك بما مؤدّاه: (إنّني راكب مُجيد للخيل وأعرف طبائعها، فهي تقفز القفزة الطويلة وتتحاشى في طريقها العوائق، ومن المعلوم أنّ جسد الإنسان مهما يكن ضخماً لا يُعدّ عائقاً مهمّاً عن سير الفرس، ممّا يُسبّب استبعاد أن يتعمّد الفرس وضع حوافره على جسد الإنسان، بل سوف يتجنّبه لا محالة).

مضافاً إلى سؤالين آخرين لا يخلوان من أهمية:

السؤال الأوّل: إنّ الخيل لو داست الجسد الشريف أو جسد أي إنسان، فسوف لن تؤثّر فيه أثراً يُذكر لصلابة لحمه وقوّة عظمه.

والسؤال الثاني: إنّ المتوقّع أن تتحامى الخيل وتتجنّب عن عمد الدوس على الجسد الشريف وتعصي راكبيها، وإن كانت حيوانات؛ لأنّ الجسد الشريف من وضوح الأهمية والعظمة بحيث لا يخفى حتّى على الحيوانات، وخاصّةً لحيوان ذكي كالفرس، أو لأنّ هذه مهانة لا ينبغي أن يريدها الله عزّ وجل لوليّه الجليل عليه‌السلام ، فلابدّ أن يَصرف هذه الحيوانات عند عملها هذا على كلّ حال.

(١) اللهوف لابن طاووس: ص٥١.

(٢) تاريخ الطبري: ج٦، ص١٦١، الإرشاد للمفيد: ص٢٤٢، مناقب ابن شهرآشوب: ج٣، ص٢٥٩، اللهوف: ص٥٧، ابن نما: ص٥٩، الخوارزمي: ج٢، ص٣٨.

أمّا الجواب عن السؤال الأوّل - وهو الرئيسي الذي عرضناه في هذه الجهة، وهو عن تجنّب الفرس الدوس على جسد إنسان، بل نراها تقفز فوقه لا محالة -: وهذا صحيح لو نظرنا إلى طبيعة الفرس في الظروف الاعتيادية، أو قل: إذا نظرنا إلى السير الاعتيادي للفرس، إلاّ أنّ هذا النظام سوف يختلّ بكلّ وضوح لو أراد راكبها على أن يكون فارساً ماهراً، بأن يأمرها أو يقهرها على أن تدوس على أيّ شيء، فهي سوف تفعل لا محالة.

وهذا واضح لا ينبغي الشكّ فيه، ومعه ينسدّ ذلك السؤال تماماً بل يبدو سُخفه وضِعته.

وأمّا السؤال الثاني: وقد كان عن صلابة الجسد بحيث لا يمكن أن تؤثر فيه الخيل، فهو أسخف من سابقه؛ لأنّنا إن تحدّثنا عن اليدين والرجلين، كان لهذا السؤال قسطٌ من الوجاهة، وأمّا لو تحدّثنا عن الجسد نفسه، أو ما يسمّى بالجذع طبياً - وهو المتكوّن من الصدر والبطن - فلا وجه للسؤال أصلاً.

وأمّا السؤال الثالث: وهو عن تجنّب الحيوان فعل ذلك هيبة للحسين عليه‌السلام وإجلالاً؟

فجوابهُ: إنّ هذا إنّما يكون بالمعجزة دون غيرها، وقد كرّرنا عدم إمكان وقوعها في مثل ذلك، وإذا أراد الله سبحانه مزيد البلاء لمزيد الثواب للحسين عليه‌السلام ، ففي قدرته جلّ جلاله أن يحجب هيبة الحسين وعظمته عن هؤلاء الحيوانات، ويدعها تعمل على المستوى الطبيعي، ومن المعلوم أيضاً أنّ الله عزّ وجل حين يريد المزيد من البلاء، فإنّ جزءاً مهمّاً منه سيكون هو تحمّل المهانة لا محالة، وهذا لا ينافي ما قلناه في أوّل هذا البحث من أنّ الحسين عليه‌السلام لم يجد الذلّة،

ولم يمرّ بها على الإطلاق؛ لأنّ غاية ما يثبت هنا: هو أنّ الأعداء أرادوا له الذلّة، وهذا أمرٌ أكيد لا نستبعده عنهم، أمّا وقوعها حقيقة عليه أو وقوعه فيها، فهذا ما نحاشيه سلام الله عليه؛ فإنّ( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) (١) .